ملاحظة
0

الجمهـورية الطـرابلسية
4968571153_2238278d52

كان لإنشاء الجمهورية الطرابلسية ظروف دقيقة ، وأسباب لم تترك للقائمين بأمر الجهاد في طرابلس وقتا للتفكير العميق في التمهيد لإنشائها . فقد وجد التفكير فيها عقب مجئ الخبر إلى مصراتة في أوائل نوفمبر سنة 1918 بسقوط تركيا في الحرب العظمى وتسليمها .
ووقوع هذا الحادث فجأة وعلى غير انتظار أحدث ارتباكا في تفكير من بيدهم تسيير دفة الجهاد . ومن طبيعة هذا الحادث أنه يقتضي سفر الأمير عثمان ، الذي كان يمثل السيادة التركية في طرابلس والقائد الأعلى للجيوش الأفريقية . وسفر الأمير يتبعه قطع المدد الذي كان يأتي من تركية ، بل إن المدد كان سينقطع ولو لم يسافر الأمير ؛ لأن تركية سقطت واحتلها الحلفاء . وقطع المدد يؤثر ـ بلا شك ـ إلى حد كبير في نشاط المجاهدين ، ويضعف من حركة القتال . والبلاد ما تزال قريبة عهد بحروب داخلية قد يكون من المحتمل جدا أن يرى أحد الخصمين في هذه الظروف الحرجة فرصة للثأر لنفسه ، فتعيد الفتنة سيرتها وتقع البلاد في شر مستطير . وقد جاء خبر سقوط تركية إلى مصراتة في وقت كان زعماء البلاد كل واحد في منطقة نفوذه يدبر شئونها ، وهي مناطق بعيدة عن المركز الذي يقيم فيه الأمير وهو مصراتة . كل هذه الأسباب ـ آخذا بعضها برقاب بعض ـ فرضت الجمهورية فرضا لتعالج من هذه الشئون الكثيرة ما يمكنها معالجته ، مع التغلب على ما خلفته الفتن الداخلية من الأحقاد والضغائن حتى تصفو النفوس ويسهل العمل .
وكيفما قدرت أسبابها وظروفها فقد لاقت نجاحا باهرا بفضل ما بذل لأجلها من جهود من عناصر وطنية وغير وطنية . وكان للأخوة الإسلامية الفضل الأول في جمع ثلاث عناصر : تركي ، ومصري ، وطرابلسي وطني . وكان كل منها دعامة في إقامة هذه الجمهورية مع تفاوت بين هذه العناصر في السعي لتكوينها ومدها بأسباب الحياة والصلاح . وقد وجدت في ظروف أحوج ما يكون الوطن فيها إلى حكومة تتولى منه ما يجمع شمله ويصون وحدته .
ظروفها: لما جاء الخبر إلى مصراتة بسقوط تركية بطريق اللاسلكي أسره البارون فريدفون توندورت رئيس التلغراف اللاسلكي الألماني إلى الأمير مصحوبا بأمره بمغادرة طرابلس هو ومن معه من الضباط تنفيذا لشروط معاهدة “موندروس” فوقع في حيرة ، ورأى أن بقاءه قد يعرضه إلى الخطر ، وترجح عنده السفر إلى الآستانة ، فذهب في الصباح المبكر إلى الغواصة ، وكانت في انتظاره على الرومية ـ شرقي قصر حمد بعشرة كم ـ وكانت أتت معها بعبد القادر الغناي ، وذهب مع الأمير عثمان عبد الرحمن بك نافذ للسفر معه ، والأستاذ عبد الرحمن عزام وسليمان باشا الباروني لتوديعه ، وكان الأستاذ عزام لا يعلم عن الأمر شيئا ، فاتصل بربان الغواصة وسأله عن الأمر فباح له به ، فقال عزام : وما الذي تعتزمه ألمانيا ؟ فقال ربان الغواصة : ستحارب إلى النهاية . فقال له عزام : ونحن يمكننا أن نشكل حكومة عربية في طرابلس لمداومة الحرب ضد إيطاليا ، على شرط أن تتعهدوا بإمدادنا بالمال والسلاح ، وعلى ألا يسافر الأمير في هذا الدور لنستعين بوجوده في تشكيل الحكومة ، فوافق ربان الغواصة على ذلك ، وبقي إلغاء سفر الأمير سرا بينه وبين الأستاذ عزام . ويقال إن لسفر الغواصة بدون أن تأخذ الأمير سببا آخر وهو أن البارون فريدفون توندورت لم يؤمر بالسفر ، فتدخل في الأمر لدى ربان الغواصة ، لتسافر بدون أن تأخذ أحدا ففعل . وسافرت الغواصة بعد أن اعتذرت للأمير عن عدم نقله في هذه المرة بشدة مراقبة اساطيل العدو ، ووعدته بالعودة في اقرب فرصة .
ورجع الأمير ومن معه إلى المواطين . وصرح الأمير للحاضرين بحقيقة الأمر . ومن هنا ظهرت فكرة الجمهورية وطرحت على بساط البحث . واشترك فيها رمضان بك ، وعزام بك ، والباروني باشا ، وسمو الأمير عثمان ، ومختار بك كعبار . وعرض على الأمير أن يكون رئيسا لها فوافق على فكرة الجمهورية ولم يوافق على الرئاسة ؛ لأنه كان متأثرا بتسليم تركية ، وببقائه في طرابلس . واتفق الكل على تأسيس الجمهورية ، وأرسل رمضان إلى عبد النبي للتشاور في الأمر . ونظرا لأن الأمير كان على وشك السفر فقد بوشر في العمل ، وأرسلت الدعوة إلى رؤساء القبائل وزعمائها وأعيان البلاد باسم الأمير عثمان لعقد اجتماع عام في مسلاتة لإعلان الجمهورية وأجاب الناس الدعوة ، ووفدوا على مسلاتة من جميع البلاد الطرابلسية ، فوسعتهم بر وضيافة ، وتشرفت مسلاتة بهذا الاجتماع التاريخي العظيم .
وفي يوم السبت الثالث عشر من صفر سنة 1337 الموافق 16 من نوفمبر سنة 1918 اجتمعت الوفود الطرابلسية في جامع المجابرة بمسلاتة ، وهو أكبر جامع فيها ، وحضر الأمير عثمان فؤاد ، وأخبر المؤتمرين أن الأستاذ عبد الرحمن عزام بك سيخطب فيهم بالنيابة عنه ، وأنه سيتكلم بلسانه ، ورجاهم أن يوافقوا على ما سيطلبه منهم وينفوذه . وخطب الأستاذ عزام خطبة طويلة كان المقام الأول فيها للحث على الدفاع عن الوطن والموت في سبيله ، وعلى جمع الكلمة في صفوف متراصة وأخوة متبادلة ، وعلى المثابرة على العمل للوصول إلى الاستقلال وطرد العدو عن الوطن . ثم طرح عليهم فكرة إنشاء حكومة وطنية تتوحد فيها الكلمة وتتولى أمور البلاد ، وتنظر في شؤون الوطن ، فلقيت الفكرة استحسانا من الجميع ، وإجماعا بدون خلاف وسميت “الجمهورية الطرابلسية” . وأجريت الانتخابات في الحال لاختيار أعضاء الجمهورية ، فأسفرت عن انتخاب الآتية أسماؤهم : رمضان بك السويحلي ، سليمان باشا الباروني ، أحمد بك المريض ، عبد النبي بن خير . وهؤلاء الأربعة يمثلون البلاد الطرابلسية من حدود برقة إلى حدود تونس . وكانت النية متجهة لانتخاب مختار بك كعبار أحد أعضاء الجمهورية الأربعة ، ولكن عرض ما يقتضي انتخاب عبد النبي ، فأبدى رمضان بك رغبة في ذلك نزولا على ما تقتضيه المصلحة ، فتنازل مختار بك عن ترشيح نفسه وانتخب عبد النبي بدلا منه عضوا للجمهورية وانتخب هو رئيسا للمالية ، فكان هذا التنازل منه محل تقدير إخوانه جميعا .
مناسبة: ولهذه المناسبة نقول إن وجود مختار بك كعبار في مصراتة وقت تأسيس الجمهورية كان لمهمة وطنية . وذلك أنه جاء موفدا من أعيان وزعماء الجهة الغربية للتحدث مع الأمير عثمان في طلب إمداد الجهة الغربية بأكثر مما اعتيد أن تمد به من المال والسلاح ، وذلك نظرا لكثرة الحركات الحربية فيها . وليطلب إليه التوسط في إنشاء قاعدة للغواصات في الجهة الغربية لتمدها بما يلزم الحرب من عتاد ونفقات ؛ لأن مصراتة مركز بعيد عن الزاوية ووسائل النقل غير متوفرة . وكان على استعداد للسفر إلى الآستانة . وقبل الوصول إلى نتيجة جاءت الأخبار بسقوط تركية فبقي في مصراتة وحضر تأسيس الجمهورية .
وقد رأى المجتمعون إذ ذاك أن من المصلحة عدم انتخاب رئيس الجمهورية حتى تستقر الحال . وكانت الآراء متجهة إلى أن تكون الرياسة للأمير عثمان ، لولا أنه امنتع نظرا لما ساوره من الشكوك في استقرار الحال بعد سقوط تركية . وقبل افتراق المجتمعين انتخب مجلس شورى الجمهورية ، فأسفرت النتيجة عن انتخاب :
الشيخ محمد سوف بك ، رئيسا أول ، من الزواية
يحيى الباروني ، رئيسا ثانيا ، من الجبل
الشيخ عبد الصمد النعاس ، عضوا ، من ترهونة
الحاج مفتاح التريكي ، عضوا ، من مسلاتة
الشيخ على بن رحاب ، عضوا ، من قماطة
الحاج محمد بن خليفة ، عضوا ، من الساحل
عبد السلام الجدايمي ، عضوا ، من زليتن
الحاج علي المنقوش ، عضوا ، من مصراتة
محمد المنتصر ، عضوا ، عن سرت
مفتاح التايب ، عضوا ، من أرفلة
السيد محمد بن بشير ، عضوا ، أولاد أبي سيف
عبد الرحمن بركان ، عضوا ، من مرزق ـ فزان
محمد بن أحمد الفايدي ، عضوا من الشاطيء
الشيخ الحبيب عز الدين ، عضوا ، من غدامس
إبراهيم أبي الأحباس ، عضوا ، من الجبل
الحاج محمد فكيني ، عضوا ، من الرجبان
الشيخ أحمد البدوي ، عضوا ، من الزنتان
سالم البرشوشي ، عضوا ، من ككلة
الشيخ شطيبة ، عضوا ، غريان
علي بن تنتوش ، عضوا ، من ورشفانة
عبد الرحمن شلابي ، عضوا ، من الزاوية
علي شالابي ، عضوا ، النواحي الأربعة
عبيدة المحجوبي ، عضوا ، عن صرمان والعجيلات
وانتخب “مجلس شرعي” للجمهورية من العلماء الأساتذة : الشيخ عمر الميساوي ، والشيخ الزروق بورخيص ، والشيخ محمد الإمام ، والشيخ مختار الشكشوكي . ولم يحضر كل أعضاء مجلس الشورى الاجتماع ، بل كان بعضهم غائبا ، وإنما انتخب توزيعا للمسئولية وتحقيقا للمساواة والوحدة بين جميع القبائل . وقبل الانصراف من المسجد أقسم الحاضرون جميعا يمين الولاء والإخلاص للجمهورية . وتوكيدا لليمين أحضروا مصحفا وكل من اراد اليمين وضع يده عليه . وهذا نص اليمين : (( أقسم بالله العظيم قابضا بيدي على هذا القرآن الكريم أن أجعل نفسي ومالي فداء لوطني وحكومتي الجمهورية الطرابلسية ، وأن أكون لعدوها عدوا ولصديقها صديقا ، ولقانونها الشرعي مطيعا )) .
ثم وزع الأمير عثمان بعض النياشين والرتب على أعضاء الجمهورية وكثير من الأعيان والوجهاء . ومن هذا التاريخ أصبحت الحكومة الجمهورية الطرابلسية قائمة وأصبح لها عهد في عنق كل طرابلسي يحميها مما يحمي منه نفسه وماله ، واصبح من المحتم عليه الوفاء بما أقسم عليه لها من الولاء والإخلاص .
بعد تأسيس الجمهورية: كان للجمهورية الطرابلسية أحسن الأثر في نفوس الشعب الطرابلسي ، ونشاط سرى في جميع مرافق الحياة وأحس الناس بتطور غريب في حياتهم السياسية اعتقدوا أن مصدره هذه الجمهورية التي رأوا فيها فتحا مبينا ، وثمرة من ثمرات جهادهم الموفق . ولم يكن سكان المدن في طرابلس أقل فرحا بهذه الجمهورية من إخوانهم المجاهدين ، فقد كان شعور الطرابلسيين متجها إلى ناحية واحدة هي التغلب على الطليان ، وكانت الجمهورية مثالا بارزا في التعبير عن هذا المعنى ، فكانت في محل الإجلال والتعظيم من نفس كل طرابلسي .
وقد رأى أعضاء الجمهورية أن الوضع الحربي يقضي بأن يقيم كل عضو من أعضاء الجمهورية في منطقة نفوذه يصرف أعمالها كيفما يرى متحملا تبعة أعماله ، فأقام رمضان بك في مسلاتة ، وأحمد بك المريض في ترهونة ، وسليمان باشا الباروني في العزيزية والزاوية ، وعبد النبي بن خير في أرفلة . وكان من بين قرارات الجمهورية إسناد قيادة المجاهدين العامة غلى عبد القادر الغناي بدلا من إسحاق باشا ، وأن تكون الزاوية مقر هذه القيادة .
___________________________
الطاهر أحمد الزاوي

Advertisements
0

basha

طاهر بك صلبط في القيادة العامة يتباحث الوضع العسكري على خريطة مع سليمان باشا الباروني “في الوسط” ومحمد فرحات بك الزاوي “على اليمين”

basha2

محمد فرحات بك الزاوي نائب مدينة طرابلس مع مشايخ البادية عند الموقع الامامي في فندق بن غشير

2

أختناق

درجة الحرارة كانت مرتفعة نهار اليوم , ورغم أن مركز الأرصاد أعلن انها 24 مئوية الأ أن مقياس الحرارة في بيتي سجل 37 مئوية
هذا بالأضافة الي الغبار الذي كان يملأ الجو
وكالعادة في مثل هذه الدرجات من الحرارة تصبح رائحة مدينتي نتنة لا تطاق , والغريب أنه لايمكنك تحديد مصدر الرائحة التي تشبه رائحة الزبالة
فهي في كل مكان مصاحبة للهواء الذي نتنشقه , وهذه الرائحة سببها المحاجر التي تقع شمال المدينة وتستخدم المهجورة منها كمكبات للزبالة
زبالة المدينة الصغيرة بالأضافة الي زبالة العاصمة طرابلس
ويزيد الطين بلة قيام بعض المواطنين بحرق ما يجدونه من زبالة حول بيوتهم ضنا منهم أنها سبب الرائحة , فيصبح الجو خانقا لا يطاق
ورائحة الهواء خليط بين الزبالة والدخان , حتى لا نكاد نتنفس
كح كح كح حاجة تخنق